فصل: تفسير الآية رقم (41):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (39- 40):

{يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (39) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40)}
قوله تعالى: {يا صاحِبَيِ السِّجْنِ} أي يا ساكني السجن، وذكر الصحبة لطول مقامهما فيه، كقولك: أصحاب الجنة، وأصحاب النار. {أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ} أي في الصغر والكبر والتوسط، أو متفرقون في العدد. {خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ} وقيل: الخطاب لهما ولأهل السجن، وكان بين أيديهم أصنام يعبدونها من دون الله تعالى، فقال ذلك إلزاما للحجة، أي آلهة شتى لا تضر ولا تنفع. {خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ} الذي قهر كل شي. نظيره: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59].
وقيل: أشار بالتفرق إلى أنه لو تعدد الإله لتفرقوا في الإرادة ولعلا بعضهم على بعض، وبين أنها إذا تفرقت لم تكن آلهة. قوله تعالى: {ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً} بين عجز الأصنام وضعفها فقال: {ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ} أي من دون الله إلا ذوات أسماء لا معاني لها. {سَمَّيْتُمُوها} من تلقاء أنفسكم.
وقيل: عني بالأسماء المسميات، أي ما تعبدون إلا أصناما ليس لها من الإلهية شيء إلا الاسم، لأنها جمادات. وقال: {ما تَعْبُدُونَ} وقد ابتدأ بخطاب الاثنين، لأنه قصد جميع من هو على مثل حالهما من الشرك. {إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ}فحذف، المفعول الثاني للدلالة، والمعنى: سميتموها آلهة من عند أنفسكم. {ما أَنْزَلَ اللَّهُ} ذلك في كتاب. قال سعيد بن جبير: {مِنْ سُلْطانٍ} أي من حجة. {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} الذي هو خالق الكل. {أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}. {ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}. أي القويم. {وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.

.تفسير الآية رقم (41):

{يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (41)}
فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً} أي قال للساقي: إنك ترد على عملك الذي كنت عليه من سقي الملك بعد ثلاثة أيام، وقال للآخر: وأما أنت فتدعى إلى ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطير من رأسك، قال: والله ما رأيت شيئا، قال: رأيت أو لم تر {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ}. وحكى أهل اللغة أن سقى وأسقى لغتان بمعنى واحد، كما قال الشاعر:
سقى قومي بني مجد وأسقى ** نميرا والقبائل من هلال

قال النحاس: الذي عليه أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه ناوله فشرب، أو صب الماء في حلقه ومعنى أسقاه جعل له سقيا، قال الله تعالى: {وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً} [المرسلات: 27].
الثانية: قال علماؤنا: إن قيل من كذب في رؤياه ففسرها العابر له أيلزمه حكمها؟ قلنا: لا يلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبي، وتعبير النبي حكم، وقد قال: إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال تحقيقا لنبوته، فإن قيل: فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني رأيت كأني أعشبت ثم أجدبت ثم أعشبت ثم أجدبت، فقال له عمر: أنت رجل تؤمن ثم تكفر، ثم تؤمن ثم تكفر، ثم تموت كافرا، فقال الرجل: ما رأيت شيئا، فقال له عمر: قد قضى لك ما قضى لصاحب يوسف، قلنا: ليست لأحد بعد عمر، لأن عمر كان محدثا، وكان إذا ظن ظنا كان وإذا تكلم به وقع، على ما ورد في أخباره، وهي كثيرة، منها- أنه دخل عليه رجل فقال له: أظنك كاهنا فكان كما ظن، خرجه البخاري. ومنها- أنه سأل رجلا عن اسمه فقال له فيه أسماء النار كلها، فقال له: أدرك أهلك فقد احترقوا، فكان كما قال: خرجه الموطأ. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة الحجر إن شاء الله تعالى.

.تفسير الآية رقم (42):

{وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)}
فيه خمس مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ} {ظَنَّ} هنا بمعنى أيقن، في قول أكثر المفسرين وفسره قتادة على الظن الذي هو خلاف اليقين، قال: إنما ظن يوسف نجاته لأن العابر يظن ظنا وربك يخلق ما يشاء، والأول أصح وأشبه بحال الأنبياء وأن ما قاله للفتيين في تعبير الرؤيا كان عن وحي، وإنما يكون ظنا في حكم الناس، وأما في حق الأنبياء فإن حكمهم حق كيفما وقع.
الثانية: قوله تعالى: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} أي سيدك، وذلك معروف في اللغة أن يقال للسيد رب، قال الأعشى:
ربي كريم لا يكدر نعمة ** وإذا تنوشد في المهارق أنشدا

أي اذكر ما رأيته، وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملك، وأخبره أني مظلوم محبوس بلا ذنب.
وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «لا يقل أحدكم اسق ربك أطعم ربك وضي ربك ولا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي مولاي ولا يقل أحدكم عبدي أمتي وليقل فتاي فتأتي غلامي».
وفي القرآن: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} {إلى ربك} {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ} أي صاحبي، يعني العزيز. ويقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربه يربه، فهو رب له. قال العلماء: قوله عليه السلام: «لا يقل أحدكم وليقل» من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، ولأنه قد جاء عنه عليه السلام«أن تلد الأمة ربها» أي مالكها وسيدها، وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ، فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن. وقد قيل: إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين: أحدهما- أن العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى، ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه، وذلك غير جائز. والثاني- أن المملوك يدخله من ذلك شيء في استصغاره بتلك التسمية، فيحمله ذلك على سوء الطاعة.
وقال ابن شعبان في الزاهي: لا يقل السيد عبدي وأمتي ولا يقل المملوك ربي ولا ربتي وهذا محمول على ما ذكرناه.
وقيل: إنما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ«لا يقل العبد ربي وليقل سيدي» لأن الرب من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق، وأختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا ليس من أسماء الله فالفرق واضح، إذ لا التباس ولا إشكال، وإذا قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة ولا الاستعمال كلفظ الرب، فيحصل الفرق.
وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون ذلك جائزا في شرع يوسف عليه السلام.
الثالثة: قوله تعالى: {فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} الضمير في {فَأَنْساهُ} فيه قولان: أحدهما- أنه عائد إلى يوسف عليه السلام، أي أنساه الشيطان ذكر الله عز وجل، وذلك أنه لما قال يوسف لساقي الملك- حين علم أنه سينجو ويعود إلى حالته الأولى مع الملك- {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} نسي في ذلك الوقت أن يشكو إلى الله ويستغيث به، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق، فعقب باللبث. قال عبد العزيز بن عمير الكندي: دخل جبريل على يوسف النبي عليه السلام في السجن فعرفه يوسف، فقال: يا أخا المنذرين! مالي أراك بين الخاطئين؟! فقال جبريل عليه السلام: يا طاهر ابن الطاهرين! يقرئك السلام رب العالمين ويقول: أما استحيت إذ استغثت بالآدميين؟! وعزتي! لألبثنك في السجن بضع سنين، فقال: يا جبريل! أهو عني راض؟ قال: نعم! قال: لا أبالي الساعة. وروي أن جبريل عليه السلام جاءه فعاتبه عن الله تعالى في ذلك وطول سجنه، وقال له: يا يوسف! من خلصك من القتل من أيدي إخوتك؟! قال: الله تعالى، قال: فمن أخرجك من الجب؟ قال: الله تعالى قال: فمن عصمك من الفاحشة؟ قال: الله تعالى، قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله؟! قال: يا رب كلمة زلت مني! أسألك يا إله إبراهيم وإسحاق والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ترحمني، فقال له جبريل: فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين.
وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} ما لبث في السجن بضع سنين».
وقال ابن عباس: عوقب يوسف بطول الحبس بضع سنين لما قال للذي نجا منهما {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} ولو ذكر يوسف ربه لخلصه.
وروى إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «لولا كلمة يوسف- يعني قوله: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ}- ما لبث في السجن ما لبث» قال: ثم يبكي الحسن ويقول: نحن ينزل بنا الأمر فنشكو إلى الناس.
وقيل: إن الهاء تعود على الناجي، فهو الناسي، أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه، أي لسيده، وفية حذف، أي أنساه الشيطان ذكره لربه، وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال: لولا أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله لما استحق العقاب باللبث في السجن، إذ الناسي غير مؤاخذ. وأجاب أهل القول الأول بأن النسيان قد يكون بمعنى الترك، فلما ترك ذكر الله ودعاه الشيطان إلى ذلك عوقب، رد عليهم أهل القول الثاني بقوله تعالى: {وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45] فدل على أن الناسي هو الساقي لا يوسف، مع قوله تعالى: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ} [الحجر: 42] فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى الشيطان، وليس له على الأنبياء سلطنة؟! قيل: أما النسيان فلا عصمة للأنبياء عنه إلا في وجه واحد، وهو الخبر عن الله تعالى فيما يبلغونه، فإنهم معصومون فيه، وإذا وقع منهم النسيان حيث يجوز وقوعه فإنه ينسب إلى الشيطان إطلاقا، وذلك إنما يكون فيما أخبر الله عنهم، ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «نسي أدم فنسيت ذريته». وقال: «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون». وقد تقدم.
الرابعة: قوله تعالى: {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} البضع قطعة من الدهر مختلف فيها، قال يعقوب عن أبي زيد: يقال بضع وبضع بفتح الباء وكسرها، قال أكثرهم: ولا يقال بضع ومائة، وإنما هو إلى التسعين.
وقال الهروي: العرب تستعمل البضع فيما بين الثلاث إلى التسع. والبضع والبضعة واحد، ومعناهما القطعة من العدد. وحكى أبو عبيدة أنه قال: البضع ما دون نصف العقد، يريد ما بين الواحد إلى أربعة، وهذا ليس بشيء.
وفي الحديث أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: «وكم البضع» فقال: ما بين الثلاث إلى السبع. فقال: «اذهب فزائد في الخطر». وعلى هذا أكثر المفسرين، أن البضع سبع، حكاه الثعلبي. قال الماوردي: وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقطرب.
وقال مجاهد: من ثلاث إلى تسع، وقال الأصمعي. ابن عباس: من ثلاث إلى عشرة. وحكى الزجاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس. قال الفراء: والبضع لا يذكر العشرة والعشرين إلى التسعين، ولا يذكر بعد المائة.
وفي المدة التي لبث فيها يوسف مسجونا ثلاثة أقاويل: أحدها- سبع سنين، قاله ابن جريج وقتادة ووهب بن منه، قال وهب: أقام أيوب في البلاء سبع سنين، وأقام يوسف في السجن سبع سنين.
الثاني- اثنتا عشرة سنة، قال ابن عباس.
الثالث- أربع عشرة سنة، قاله الضحاك.
وقال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس قال: مكث يوسف في السجن خمسا وبضعا. واشتقاقه من بضعت الشيء أي قطعته، فهو قطعة من العدد، فعاقب الله يوسف بأن حبس سبع سنين أو تسع سنين بعد الخمس التي مضت، فالبضع مدة العقوبة لا مدة الحبس كله. قال وهب بن منبه: حبس يوسف في السجن سبع سنين، ومكث أيوب في البلاء سبع سنين، وعذب بخت نصر بالمسخ سبع سنين.
وقال عبد الله بن راشد البصري عن سعيد بن أبي عروبة: إن البضع ما بين الخمس إلى الاثنتي عشرة سنة.
الخامسة: في هذه الآية دليل على جواز التعلق بالأسباب وإن كان اليقين حاصلا فإن الأمور بيد مسببها، ولكنه جعلها سلسلة، وركب بعضها على بعض، فتحريكها سنة، والتعويل على المنتهى يقين. والذي يدل على جواز ذلك نسبة ما جرى من النسيان إلى الشيطان كما جرى لموسى في لقيا الخضر، وهذا بين فتأملوه.

.تفسير الآية رقم (43):

{وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (43)}
قوله تعالى: {وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ} لما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى الملك رؤياه، فنزل جبريل فسلم على يوسف وبشره بالفرج وقال: إن الله مخرجك من سجنك، وممكن لك في الأرض، يذل لك ملوكها، ويطيعك جبابرتها، ومعطيك الكلمة العليا على إخوتك، وذلك بسبب رؤيا رآها الملك، وهي كيت وكيت، وتأويلها كذا وكذا، فما لبث في السجن أكثر مما رأى الملك الرؤيا حتى خرج، فجعل الله الرؤيا أولا ليوسف بلاء وشدة، وجعلها آخرا بشرى ورحمة، وذلك أن الملك الأكبر الريان بن الوليد رأى في نومه كأنما خرج من نهر يابس سبع بقرات سمان، في أثرهن سبع عجاف- أي مهازيل- وقد أقبلت العجاف على السمان فأخذن بآذانهن فأكلنهن، إلا القرنين، وراي سبع سنبلات خضر قد أقبل عليهن سبع يابسات فأكلنهن حتى أتين عليهن فلم يبق منهن شيء وهن يابسات، وكذلك البقر كن عجافا فلم يزد فيهن شيء من أكلهن السمان، فهالته الرؤيا، فأرسل إلى الناس واهل العلم منهم والبصر بالكهانة والنجامة والعرافة والسحر، وأشراف قومه، فقال: {يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ} فقص عليهم، فقال القوم: {أَضْغاثُ أَحْلامٍ} [يوسف: 44] قال ابن جريج قال لي عطاء: إن أضغاث الأحلام الكاذبة المخطئة من الرؤيا.
وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن الرؤيا منها حق، ومنها أضغاث أحلام، يعني بها الكاذبة.
وقال الهروي: قوله تعالى: {أَضْغاثُ أَحْلامٍ} أي أخلاط أحلام. والضغث في اللغة الحزمة من الشيء كالبقل والكلإ وما أشبههما، أي قالوا: ليست رؤياك ببينة، والأحلام الرؤيا المختلطة.
وقال مجاهد: أضغاث الرؤيا أهاويلها.
وقال أبو عبيدة: الأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا. قوله تعالى: {سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ} حذفت الهاء من {سَبْعَ} فرقا بين المذكر والمؤنث {سِمانٍ} من نعت البقرات، ويجوز في غير القرآن سبع بقرات سمانا، نعت للسبع، وكذا خضرا، قال الفراء: ومثله. {سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً} [نوح: 15]. وقد مضى في سورة البقرة اشتقاقها ومعناها.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: المعز والبقر إذا دخلت المدينة فإن كانت سمانا فهي سني رخاء، وإن كانت عجافا كانت شدادا، وإن كانت المدينة مدينة بحر وإبان سفر قدمت سفن على عددها وحالها، وإلا كانت فتنا مترادفة، كأنها وجوه البقر، كما في الخبر«يشبه بعضها بعضا».
وفي خبر آخر في الفتن«كأنها صياصي البقر» يريد لتشابهها، إلا أن تكون صفرا كلها فإنها أمراض تدخل على الناس، وإن كانت مختلفة الألوان، شنيعة القرون وكان الناس ينفرون منها، أو كأن النار والدخان يخرج من أفواهها فإنه عسكر أو غارة، أو عدو يضرب عليهم، وينزل بساحتهم. وقد تدل البقرة على الزوجة والخادم والغلة والسنة، لما يكون فيها من الولد والغلة والنبات. {يأكلهن سبع عجاف} من عجف يعجف، على وزن عظم يعظم، وروي عجف يعجف على وزن حمد يحمد.
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ} جمع الرؤيا رئي: أي أخبروني بحكم هذه الرؤيا. {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ} العبارة مشتقة من عبور النهر، فمتى عبرت النهر، بلغت شاطئه، فعابر، الرؤيا يعبر بما يؤول إليه أمرها. واللام في {لِلرُّءْيا} للتبيين، أي إن كنتم تعبرون، ثم بين فقال: للرؤيا، قاله الزجاج.